الدبلـــــومـ7755ـــاسي
28_01_05, 07:58 PM
:h037: :h037: :h037: :h037: :h037: :h037: :h037: :h037:
.. يضع هذا الكتاب يده علي محور خطير في العلاقات الأطلسية( الأوروبية ـ الأمريكية) هو استخدام الولايات المتحدة ـ بذكاء ودهاء شديدين ـ سلاح التطرف الاسلامي لإضعاف أوروبا!
ولذلك لا يملك قاريء الكتاب نفسه من رسم علامات استفهام كبيرة منها ما علاقة الاسلام( كدين) بأوروبا المسيحية واذا كان الهدف هو تقزيم اوروبا, فلماذا لا توجه أمريكا ضرباتها إلي اقتصادها,( وسياستها).. وليس إلي الاسلام الذي يعتبر الدين الثاني( وليس الأول) في بعض بلدان أوروبا..
.. علي أية حال يرصد هذا الكتاب( حروب ضد أوروبا) منحنيات الرسم البياني لعلاقة أمريكا بالقارة العجوز, ويؤكد أن عوامل التنافر بينهما أكبر بكثير من عوامل التجاذب, وأن الصراع بين( القوتين) قائم ومستمر, وإن بدا مستترا أو مقنعا.
ويذكر مؤلف الكتاب( الكسندر دي فال وهو خبير في الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس) أن امريكا تبرع في استخدام سلاح التطرف الاسلامي, ودليله علي ذلك أن أكثر الجماعات الاسلامية تطرفا في العالم نشأت وترعرعت في أحضان أجهزة المخابرات الأمريكية( والمثال الصارخ هو اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة, ونظام طالبان الذي استخدمته أمريكا لوقف الزحف السوفيتي( الأحمر) باتجاه افغانستان وبقية دول آسيا.
ويخلص إلي القول بأن الأهداف الحقيقية للسياسة الخارجية الأمريكية التي توصف عادة بالغطرسة والتناقض تتجه في جزء كبير منها لاضعاف الحضارة الأوروبية( الغربية).
ويشير الكتاب( الذي يقع في نحو430 صفحة) إلي الامبريالية الأمريكية الجديدة التي تقود العالم حتما نحو صدمة حضارية مروعة, والمعروف أن التحرك في هذا الاتجاه بدأ مبكرا بين الحضارة اليهودية والمسيحية من جانب والعالم العربي والاسلامي من جانب آخر وما نراه في فلسطين المحتلة من مواجهات ليس إلا إحدي تجليات هذه الصدمة. فالحرب الدائرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين تعكس بقوة هذه الصدمة, فضلا عن أن الانتفاضة الفلسطينية تطلق علي نفسها اسما له دلالة دينية وحضارية محضة هو اسم الاقصي.
.. ويذكر الكتاب أنه في ضوء ذلك يعيش العالم العربي والاسلامي لحظة تاريخية مؤلمة( ومهينة) بسبب ما يتعرض له من اعتداءات امبريالية مرتبطة بمؤامرات أمريكية ـ صهيونية.. ولذلك فهو لا يري طريقا للسلام في مواجهة الغرب( اليهودي ـ المسيحي) إلا الاسلام الراديكالي, ويقول إن هذا الطريق قد طورته بعض الأنظمة في المنطقة العربية ليأخذ الشكل القومي الاسلامي والذي تمثلة الانتفاضة الاسلامية( انتفاضة الأقصي) في حربها ضد اسرائيل.
ويقول الكتاب إن ثمة أقنعة زائفة تضعها أمريكا علي وجهها فتخفي علي سبيل المثال طموحاتها لقيادة العالم بمفردها وراء وثيقة حقوق الانسان العالمية التي تتشدق بها ليل لنهار, ووراء ما تسميه بالتدخل الانساني أو بحسب المفهوم الجديد.. حرب انسانية. وبرغم ذلك تتبدي شخصيتها الأحادية في صورة عنيفة( وغير مستقرة) كما تتسم سياستها الخارجية بقدر كبير من عدم الديمقراطية.. تلك السياسة التي ظلت بدون منافس منذ نهاية الحرب الباردة بسبب حرب أمريكا علي حجب ظهور أي منافسة جيوبوليتيكية لها سواء في آسيا, أو في أوروبا الغربية, ولذلك كانت مناوئة في جزء كبير منها ـ لمصالح الأمم الأوروبية.
.. وينتقل الكتاب إلي نقطة أخري فيذكر أنه علي الرغم من أن الحلفاء القدامي للأمريكان( اسامة بن لادن ونظام طالبان والأصوليون في العالم العربي) أعلنوا الحرب علي الشيطان الأكبر( أمريكا) إلا أن الادارات الأمريكية المتعاقبة تمسكت باستراتيجيتها المؤيدة لهم والتي يشرف عليها جهاز الـC.I.A والبنتاجون والسبب هو رغبة أمريكا في اضعاف ليس فقط أوروبا, وانما أيضا روسيا( السوفيتية).
والشيء نفسه حدث في المنطقة العربية, فبرغم تنامي تيار( ضد الأمركة) بين الشعوب العربية فإن الأمريكيين يواصلون استخدام الاسلاميين( الراديكاليين) كأداة لتحقيق سياستهم في أنحاء العالم لتقزيم( روسيا, والصين, والهند..)
والتناقض هنا هو أن امريكا كحليف ـ لا تتصرف دائما من منطلق تضامنها كعضو في الحضارة الغربية في مواجهة التهديد الذي يمثله التطرف الاسلامي لهذه الحضارة, فالثابت أنها( أي أمريكا) تستخدم المعسكر الاسلامي الذي يضم تركيا والجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفيتي السابق ضد روسيا( بطريقة مباشرة) وضد الاتحاد الأوروبي بطريقة غير مباشرة).
ولقد وضع صموئيل هينتنجتون يده في وقت مبكر علي هذه النقطة عندما كتب يقول إن قادة أمريكا يسعون إلي ضرب وحدة الحضارة الغربية إلا أنهم يعرفون أن أوروبا إذا توافرت لها عوامل القوة, فسوف تهدد أمريكا في مجالات النفوذ والسيطرة خاصة المجال الاقتصادي.. لذلك دق الاستراتيجيون الأمريكيون ناقوس الخطر وحذروا من( صحوة أوروبا) وعمدوا إلي قتل أي نواة لأوروبا العظمي, ودأبوا علي تقسيم القارة العجوز بين أوروبا الأرثوذكسية وأوروبا الغربية.
ويذكر الكتاب أن الادارة الأمريكية تنفق من وقتها ومخططاتها الكثير للحيلولة دون ظهور قوة مناوئة لها, فليس مصادفة أن تستبعد روسيا من مفاوضات رامبوبيه( الخاصة بالأوضاع في البلقان) وكذلك حادث تفجير ـ بطريق الخطأ ـ سفارة الصين في صربيا الذي يمكن تفسيره بأنه شكل من أشكال الارادة المتعمدة من جانب أمريكا لاشعال حرب باردة جديدة تكون ـ هذه المرة ـ بين غرب صناعي( تندرج ضمنه اليابان) وبين عالم معاند( غير غربي) يضم روسيا ويوجوسلافيا وروسيا البيضاء والصين, وكوريا الشمالية, والهند.
وبحسب رؤية الاستراتيجيين ورجال الاقتصاد في أمريكا فإن معكسر المعاندين هو المؤهل( أو القابل) للتشكيك في هيمنة واشنطن علي العالم. وفي أنها صاحبة الديمقراطية الوحيدة الحقيقية.
ولأن أمريكا تزعم أن ديمقراطيتها مباركة من عند الله الذي يثقون فيه حسبما تقول السطور المكتوبة علي ورقة الدولار فإن الإله يحمي مشروع أمريكا الواحدة في العالم..( وليس من شك في أن هذه القناعة هي التي جعلت الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون يؤكد أن أمريكا هي الأمة الضرورة التي لا تستقيم الحياة علي الكوكب الأرضي بدونها..).
ولهذا السبب ـ أيضا ـ يتحتم علي أمريكا من منطلق واجب مقدس لها أن تصدر نموذجها الديمقراطي ـ بأي ثمن ـ إلي الشعوب الأخري وليس هناك ما يمنع من توجيه ضربات أو فرض حصار مادام الهدف هو بسط الموديل( النموذج الأمريكي علي كوكب الأرض..).
.. ويرتكز الكتاب في جوانب كثيرة في أفكاره ورؤاه إلي نظرية هينتنجتون الخاصة بصراع الحضارات, فيذكر أن الايديولوجيات الكبري في القرن الـ20 أصبحت متعبة ومعظم الأنظمة والرموز وجدت طريقها نحو الأفول, ويحصي الكتاب الحضارات المعاصرة التي سيدور حولها الصدام( أو الصراع) وهي: الحضارة الغربية واليابانية, والاسلامية, والهندوسية, والسلافية واللاتينية ثم الإفريقية.
.. ثم يشير إلي أنه طبقا لهذه النظرية فان الصدمة بين الغرب المتأمرك وباقي العالم ـ بما فيه العالم الاسلامي ـستكون أول صدمة تأتي في إطار العولمة( الأمريكية).
ويذكر أن الغرب بات يري في الحركات الاسلامية نوعا من التبشير علي غرار التبشير المسيحي من منطلق روح الحرب الصليبية, وتؤكد أن الاسلام هو الدين الوحيد الذي يعارض أي شكل آخر عالمي! ويحيل الكتاب إلي مقالة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون التي أكد فيها أن الغرب ليست لديه مشكلة مع الاسلام وانما مع الاسلاميين المتطرفين, ويذكر أن هناك من يري أن ذلك غير صحيح, فتاريخ الاسلام علي مدي1400 سنة يؤكد أن الصراعات بينه وبين الغرب لم تتوقف في أي لحظة, مشيرا إلي حروب الفتوحات الاسلامية الأولي مرورا بالحروب الصليبية, وانتهاء باحتلال الغرب لدول الاسلام, ثم الصراعات الاقليمية والدولية التي ينازع الغرب عليها في كل مكان في العصر الراهن.
ويتحدث ـ في الوقت نفسه ـ عن حرب باردة( مجتمعية) بين الغرب والاسلام تكون أوروبا مسرحا لها, علي أن يغذي العقل السياسي الأمريكي هذه الحرب. والواقع أن50% من الحروب المفروضة علي كوكب الأرض في الفترة من1820 إلي1929 تتعلق بالأديان, أي أنها حروب دينية طرفاها هما: المسلمون والمسيحيون وأن19 إلي28 صراعا حضاريا وقع في التسعينيات بين مسلمين وغير مسلمين وهو ما يعني أن الاسلام ـ والحالة هذه ـ دين سياسي لأنه الدين الوحيد الذي يتحدث في حق الحرب ويذكر في كتابه المقدس( القرآن) ما يعرف بدار الحرب مقابل دار السلام.
ويلفت الكتاب النظر إلي مقولة صدرت عن أحد رجال الدين المسلمين يقول فيها إن عدد المسلمين في أوروبا يبلغ نحو26 مليون شخص, واذا شعر هؤلاء بسوء المعاملة من الحكومات الأوروبية( غير الاسلامية) فانهم سوف يضطرون إلي النضال لأن القرآن الكريم يحثهم علي ذلك ويرفض أن يكونوا مضطهدين.
وتحت عنوان الاسلام وتركيا يهددان الأمم الأوروبية من أيرلندا وحتي روسيا يقول الكتاب إن بعض الدول الاسلامية أخذت علي عاتقها اعادة أسلمة شعوب دول الاتحاد السوفيتي السابق في القوقاز وروسيا, وأرسلت هناك ملايين النسخ من القرآن الكريم وقامت بانشاء مساجد ومدارس دينية ومراكز اسلامية في آسيا الوسطي, ويشير إلي أن حرب افغانستان كانت تدعمها المخابرات الأمريكية بالتعاون مع مخابرات بعض الدول الاسلامية, ووصفها بأنها أول حرب حضارية( اسلامية ـ أوروبية) في القرن العشرين.
ويقول إن روسيا ترتعد فرائصها خوفا من سيطرة الثقافة التركية الاسلامية علي دول القوقاز, وكان الشيوعيون يعتقدون اعتقادا راسخا ان الاسلام لن يعود إلي هذه المناطق, لكنه عاد بالفعل وبات يمثل تهديدا لروسيا.
.. ويذكر الكتاب أن نسبة كبيرة من الأجيال العربية المهاجرة ـ من أصول اسلامية ـ انتهت بأن أصبحت أغلبية في عدد من الأحياء والمدن والضواحي خصوصا في فرنسا وانجلترا وبلجيكا وهولندا,.. بلغت هذه النسبة في بروكسل نحو50% بل إن هناك مناطق تسكنها أقلية اسلامية, ثم في سنوات قليلة تتحول الأقلية إلي أغلبية.
ويسجل البعض تخوفه من أن الاسلام بهذا المعني يرسم حدودا جديدة لأوروبا, ويستخدم كل امكاناته للوصول إلي السلطة السياسية.. والخطير في الأمر أن أمريكا في حربها الضروس ضد أوروبا تستخدم هذه البؤر بمنظماتها الاسلامية المتطرفة لضرب وحدة أوروبا, حتي لا تكون القوة المرشحة للوقوف في وجه هيمنتها التي تفرضها علي العالم.
يشير الكتاب إلي احصائية خطيرة تقول إن هناك63 شخصا أوروبيا يعتنقون الاسلام يوميا, ويتوقع البعض أنه في خلال20 عاما فان دولة مثل فرنسا ستصبح جمهورية اسلامية!).
وبعد أن يقسم الكتاب الجغرافيا العالمية من وجهة النظر الأمريكية إلي مناطق صلبة, أو أخري رخوة ـ يذكر أن المنطقة العربية والاسلامية تشكل فضاء جيو استراتيجيا مهما لأمريكا, ليس فقط لأنها تضم أكثر من مليار مسلم ووريثة لحضارة كان لها بريقها وسيطرتها الطاغية فضلا عن تراثها الثوري الخاص, ولكن لأنها تمتلك نحو75% من الثروات البترولية وتستحوذ علي نسبة عالية من مخزون الغاز علي الكوكب الأرضي.
والأهم من ذلك أن مقومات خروج العالم العربي والاسلامي من( المنطقة الرخوة) لاتزال بعيدة نسبيا بالنظر إلي مشكلاته الموروثة قديما, وأزماته العرقية والسياسية, وتأخره التكنولوجي وعدم قدرته علي الخروج من دائرة الدول النامية فضلا عن الأمية المتفشية بين شعوبه, وانفجاره السكاني المرعب والسبب عملية الأسلمة الراديكالية, والمناوئة للغرب في كل الدول الاسلامية.
وثمة نقطة مهمة هي أن بريطانيا العظمي تعتبر مهمة الامبراطورية الأمريكية فيما يتعلق بعلاقة الأخيرة بالاسلام والمسلمين.. فبريطانيا هي التي ساندت القوي العالمية للاسلام( العثمانيون ضد روسيا, والنمسا, وفرنسا, والاخوان المسلمين منذ تأسيسهم علي أيدي حسن البنا في عام1928 للوقوف في وجه القوميين في حزب الوفد, وكذلك الجامعة الاسلامية والجماعة الاسلامية في الهند لكي تحدث انقساما في المعسكر المناهض للاحتلال وهو ما أدي ـ في النهاية ـ إلي ظهور دولة باكستان الاسلامية).
وكان طبيعيا أن تتبع أمريكا نفس الاستراتيجية البريطانية السابقة سواء في تأسيس دول اسلامية بعينها أو تمويل جماعة الاخوان المسلمين لإحداث خلخلة في استقرار نظام عبدالناصر, ونفس السياسة الخاصة بدعم الاسلاميين اتبعتها أمريكا في السنوات العشر الأخيرة في القرن العشرين سواء في العراق أو في الجزائر أو افغانستان أو باكستان أوالبلقان ثم يجب ألا ننسي أن الدول الاسلامية تشكل بالإجمال سوقا فسيحة أمام المنتجات الأمريكية!
والخطير أن أمريكا تحرص علي أن تحكم هذه المنطقة( التي تضم نظما شمولية وحكومات راديكالية ومليار مسلم).
.. وفي هذا الخصوص ظهرت استراتيجية تعرف باسم استراتيجية الحزام الأخضر في مواجهة العالم العربي ويقصد بها أن تحيط أمريكا خصمها السابق( روسيا) مع دول البلقان بهلال اسلامي يضم تركيا والدول الاسلامية الغربية من توجهات تركيا وايران ومن دول الاتحاد السوفيتي السابق, بالاضافة إلي الدول الاسلامية في البلقان والقوقاز.
هذا الحزام تنطلق محاوره من المنطقة العربية وتركيا العلمانية وأفغانستان وباكستان.
وليس مصادفة أن تتعاون الاستراتيجية الاسلامية ـ الأمريكية في تفويض دعائم الامبراطورية السوفيتية.. وفي هذا الاطار يمكن فهم أن الدولارات والصواريخ الأمريكية كان لها دور مهم في احراز الانتصار علي السوفيت في افغانستان ولا ينبغي أن ننسي أن الجماعة الاسلامية المسلحة في الجزائرG.I.A والجبهة الوطنية للانقاذF.I.S هي من صنع الأمريكان وهكذا يتبين مجددا أن بن لادن كان أداة في يد الأمريكان لاقامة هذا الحزام الأخضر وإحكام قبضة أمريكا علي الخصوم والأعداء علي السواء, ولقد كشفت حروب البلقان( في كوسوفو والشيشان والبوسنة) بالدليل القاطع هذه العلاقة المستترة.
أخيرا, يقرر كتاب حروب ضد أوروبا أن أمريكا نجحت بالفعل عبر استراتيجيتها في التعامل مع الأصولية الاسلامية( دولا وجماعات) في أن تشكل هذا الحزام الأخضر الذي يطلق عليه اسم الخط الأخضر الاسلامي ليكون رأس حربة في تنفيذ مخططاتها في أوروبا والعالم.
.. يضع هذا الكتاب يده علي محور خطير في العلاقات الأطلسية( الأوروبية ـ الأمريكية) هو استخدام الولايات المتحدة ـ بذكاء ودهاء شديدين ـ سلاح التطرف الاسلامي لإضعاف أوروبا!
ولذلك لا يملك قاريء الكتاب نفسه من رسم علامات استفهام كبيرة منها ما علاقة الاسلام( كدين) بأوروبا المسيحية واذا كان الهدف هو تقزيم اوروبا, فلماذا لا توجه أمريكا ضرباتها إلي اقتصادها,( وسياستها).. وليس إلي الاسلام الذي يعتبر الدين الثاني( وليس الأول) في بعض بلدان أوروبا..
.. علي أية حال يرصد هذا الكتاب( حروب ضد أوروبا) منحنيات الرسم البياني لعلاقة أمريكا بالقارة العجوز, ويؤكد أن عوامل التنافر بينهما أكبر بكثير من عوامل التجاذب, وأن الصراع بين( القوتين) قائم ومستمر, وإن بدا مستترا أو مقنعا.
ويذكر مؤلف الكتاب( الكسندر دي فال وهو خبير في الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس) أن امريكا تبرع في استخدام سلاح التطرف الاسلامي, ودليله علي ذلك أن أكثر الجماعات الاسلامية تطرفا في العالم نشأت وترعرعت في أحضان أجهزة المخابرات الأمريكية( والمثال الصارخ هو اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة, ونظام طالبان الذي استخدمته أمريكا لوقف الزحف السوفيتي( الأحمر) باتجاه افغانستان وبقية دول آسيا.
ويخلص إلي القول بأن الأهداف الحقيقية للسياسة الخارجية الأمريكية التي توصف عادة بالغطرسة والتناقض تتجه في جزء كبير منها لاضعاف الحضارة الأوروبية( الغربية).
ويشير الكتاب( الذي يقع في نحو430 صفحة) إلي الامبريالية الأمريكية الجديدة التي تقود العالم حتما نحو صدمة حضارية مروعة, والمعروف أن التحرك في هذا الاتجاه بدأ مبكرا بين الحضارة اليهودية والمسيحية من جانب والعالم العربي والاسلامي من جانب آخر وما نراه في فلسطين المحتلة من مواجهات ليس إلا إحدي تجليات هذه الصدمة. فالحرب الدائرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين تعكس بقوة هذه الصدمة, فضلا عن أن الانتفاضة الفلسطينية تطلق علي نفسها اسما له دلالة دينية وحضارية محضة هو اسم الاقصي.
.. ويذكر الكتاب أنه في ضوء ذلك يعيش العالم العربي والاسلامي لحظة تاريخية مؤلمة( ومهينة) بسبب ما يتعرض له من اعتداءات امبريالية مرتبطة بمؤامرات أمريكية ـ صهيونية.. ولذلك فهو لا يري طريقا للسلام في مواجهة الغرب( اليهودي ـ المسيحي) إلا الاسلام الراديكالي, ويقول إن هذا الطريق قد طورته بعض الأنظمة في المنطقة العربية ليأخذ الشكل القومي الاسلامي والذي تمثلة الانتفاضة الاسلامية( انتفاضة الأقصي) في حربها ضد اسرائيل.
ويقول الكتاب إن ثمة أقنعة زائفة تضعها أمريكا علي وجهها فتخفي علي سبيل المثال طموحاتها لقيادة العالم بمفردها وراء وثيقة حقوق الانسان العالمية التي تتشدق بها ليل لنهار, ووراء ما تسميه بالتدخل الانساني أو بحسب المفهوم الجديد.. حرب انسانية. وبرغم ذلك تتبدي شخصيتها الأحادية في صورة عنيفة( وغير مستقرة) كما تتسم سياستها الخارجية بقدر كبير من عدم الديمقراطية.. تلك السياسة التي ظلت بدون منافس منذ نهاية الحرب الباردة بسبب حرب أمريكا علي حجب ظهور أي منافسة جيوبوليتيكية لها سواء في آسيا, أو في أوروبا الغربية, ولذلك كانت مناوئة في جزء كبير منها ـ لمصالح الأمم الأوروبية.
.. وينتقل الكتاب إلي نقطة أخري فيذكر أنه علي الرغم من أن الحلفاء القدامي للأمريكان( اسامة بن لادن ونظام طالبان والأصوليون في العالم العربي) أعلنوا الحرب علي الشيطان الأكبر( أمريكا) إلا أن الادارات الأمريكية المتعاقبة تمسكت باستراتيجيتها المؤيدة لهم والتي يشرف عليها جهاز الـC.I.A والبنتاجون والسبب هو رغبة أمريكا في اضعاف ليس فقط أوروبا, وانما أيضا روسيا( السوفيتية).
والشيء نفسه حدث في المنطقة العربية, فبرغم تنامي تيار( ضد الأمركة) بين الشعوب العربية فإن الأمريكيين يواصلون استخدام الاسلاميين( الراديكاليين) كأداة لتحقيق سياستهم في أنحاء العالم لتقزيم( روسيا, والصين, والهند..)
والتناقض هنا هو أن امريكا كحليف ـ لا تتصرف دائما من منطلق تضامنها كعضو في الحضارة الغربية في مواجهة التهديد الذي يمثله التطرف الاسلامي لهذه الحضارة, فالثابت أنها( أي أمريكا) تستخدم المعسكر الاسلامي الذي يضم تركيا والجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفيتي السابق ضد روسيا( بطريقة مباشرة) وضد الاتحاد الأوروبي بطريقة غير مباشرة).
ولقد وضع صموئيل هينتنجتون يده في وقت مبكر علي هذه النقطة عندما كتب يقول إن قادة أمريكا يسعون إلي ضرب وحدة الحضارة الغربية إلا أنهم يعرفون أن أوروبا إذا توافرت لها عوامل القوة, فسوف تهدد أمريكا في مجالات النفوذ والسيطرة خاصة المجال الاقتصادي.. لذلك دق الاستراتيجيون الأمريكيون ناقوس الخطر وحذروا من( صحوة أوروبا) وعمدوا إلي قتل أي نواة لأوروبا العظمي, ودأبوا علي تقسيم القارة العجوز بين أوروبا الأرثوذكسية وأوروبا الغربية.
ويذكر الكتاب أن الادارة الأمريكية تنفق من وقتها ومخططاتها الكثير للحيلولة دون ظهور قوة مناوئة لها, فليس مصادفة أن تستبعد روسيا من مفاوضات رامبوبيه( الخاصة بالأوضاع في البلقان) وكذلك حادث تفجير ـ بطريق الخطأ ـ سفارة الصين في صربيا الذي يمكن تفسيره بأنه شكل من أشكال الارادة المتعمدة من جانب أمريكا لاشعال حرب باردة جديدة تكون ـ هذه المرة ـ بين غرب صناعي( تندرج ضمنه اليابان) وبين عالم معاند( غير غربي) يضم روسيا ويوجوسلافيا وروسيا البيضاء والصين, وكوريا الشمالية, والهند.
وبحسب رؤية الاستراتيجيين ورجال الاقتصاد في أمريكا فإن معكسر المعاندين هو المؤهل( أو القابل) للتشكيك في هيمنة واشنطن علي العالم. وفي أنها صاحبة الديمقراطية الوحيدة الحقيقية.
ولأن أمريكا تزعم أن ديمقراطيتها مباركة من عند الله الذي يثقون فيه حسبما تقول السطور المكتوبة علي ورقة الدولار فإن الإله يحمي مشروع أمريكا الواحدة في العالم..( وليس من شك في أن هذه القناعة هي التي جعلت الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون يؤكد أن أمريكا هي الأمة الضرورة التي لا تستقيم الحياة علي الكوكب الأرضي بدونها..).
ولهذا السبب ـ أيضا ـ يتحتم علي أمريكا من منطلق واجب مقدس لها أن تصدر نموذجها الديمقراطي ـ بأي ثمن ـ إلي الشعوب الأخري وليس هناك ما يمنع من توجيه ضربات أو فرض حصار مادام الهدف هو بسط الموديل( النموذج الأمريكي علي كوكب الأرض..).
.. ويرتكز الكتاب في جوانب كثيرة في أفكاره ورؤاه إلي نظرية هينتنجتون الخاصة بصراع الحضارات, فيذكر أن الايديولوجيات الكبري في القرن الـ20 أصبحت متعبة ومعظم الأنظمة والرموز وجدت طريقها نحو الأفول, ويحصي الكتاب الحضارات المعاصرة التي سيدور حولها الصدام( أو الصراع) وهي: الحضارة الغربية واليابانية, والاسلامية, والهندوسية, والسلافية واللاتينية ثم الإفريقية.
.. ثم يشير إلي أنه طبقا لهذه النظرية فان الصدمة بين الغرب المتأمرك وباقي العالم ـ بما فيه العالم الاسلامي ـستكون أول صدمة تأتي في إطار العولمة( الأمريكية).
ويذكر أن الغرب بات يري في الحركات الاسلامية نوعا من التبشير علي غرار التبشير المسيحي من منطلق روح الحرب الصليبية, وتؤكد أن الاسلام هو الدين الوحيد الذي يعارض أي شكل آخر عالمي! ويحيل الكتاب إلي مقالة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون التي أكد فيها أن الغرب ليست لديه مشكلة مع الاسلام وانما مع الاسلاميين المتطرفين, ويذكر أن هناك من يري أن ذلك غير صحيح, فتاريخ الاسلام علي مدي1400 سنة يؤكد أن الصراعات بينه وبين الغرب لم تتوقف في أي لحظة, مشيرا إلي حروب الفتوحات الاسلامية الأولي مرورا بالحروب الصليبية, وانتهاء باحتلال الغرب لدول الاسلام, ثم الصراعات الاقليمية والدولية التي ينازع الغرب عليها في كل مكان في العصر الراهن.
ويتحدث ـ في الوقت نفسه ـ عن حرب باردة( مجتمعية) بين الغرب والاسلام تكون أوروبا مسرحا لها, علي أن يغذي العقل السياسي الأمريكي هذه الحرب. والواقع أن50% من الحروب المفروضة علي كوكب الأرض في الفترة من1820 إلي1929 تتعلق بالأديان, أي أنها حروب دينية طرفاها هما: المسلمون والمسيحيون وأن19 إلي28 صراعا حضاريا وقع في التسعينيات بين مسلمين وغير مسلمين وهو ما يعني أن الاسلام ـ والحالة هذه ـ دين سياسي لأنه الدين الوحيد الذي يتحدث في حق الحرب ويذكر في كتابه المقدس( القرآن) ما يعرف بدار الحرب مقابل دار السلام.
ويلفت الكتاب النظر إلي مقولة صدرت عن أحد رجال الدين المسلمين يقول فيها إن عدد المسلمين في أوروبا يبلغ نحو26 مليون شخص, واذا شعر هؤلاء بسوء المعاملة من الحكومات الأوروبية( غير الاسلامية) فانهم سوف يضطرون إلي النضال لأن القرآن الكريم يحثهم علي ذلك ويرفض أن يكونوا مضطهدين.
وتحت عنوان الاسلام وتركيا يهددان الأمم الأوروبية من أيرلندا وحتي روسيا يقول الكتاب إن بعض الدول الاسلامية أخذت علي عاتقها اعادة أسلمة شعوب دول الاتحاد السوفيتي السابق في القوقاز وروسيا, وأرسلت هناك ملايين النسخ من القرآن الكريم وقامت بانشاء مساجد ومدارس دينية ومراكز اسلامية في آسيا الوسطي, ويشير إلي أن حرب افغانستان كانت تدعمها المخابرات الأمريكية بالتعاون مع مخابرات بعض الدول الاسلامية, ووصفها بأنها أول حرب حضارية( اسلامية ـ أوروبية) في القرن العشرين.
ويقول إن روسيا ترتعد فرائصها خوفا من سيطرة الثقافة التركية الاسلامية علي دول القوقاز, وكان الشيوعيون يعتقدون اعتقادا راسخا ان الاسلام لن يعود إلي هذه المناطق, لكنه عاد بالفعل وبات يمثل تهديدا لروسيا.
.. ويذكر الكتاب أن نسبة كبيرة من الأجيال العربية المهاجرة ـ من أصول اسلامية ـ انتهت بأن أصبحت أغلبية في عدد من الأحياء والمدن والضواحي خصوصا في فرنسا وانجلترا وبلجيكا وهولندا,.. بلغت هذه النسبة في بروكسل نحو50% بل إن هناك مناطق تسكنها أقلية اسلامية, ثم في سنوات قليلة تتحول الأقلية إلي أغلبية.
ويسجل البعض تخوفه من أن الاسلام بهذا المعني يرسم حدودا جديدة لأوروبا, ويستخدم كل امكاناته للوصول إلي السلطة السياسية.. والخطير في الأمر أن أمريكا في حربها الضروس ضد أوروبا تستخدم هذه البؤر بمنظماتها الاسلامية المتطرفة لضرب وحدة أوروبا, حتي لا تكون القوة المرشحة للوقوف في وجه هيمنتها التي تفرضها علي العالم.
يشير الكتاب إلي احصائية خطيرة تقول إن هناك63 شخصا أوروبيا يعتنقون الاسلام يوميا, ويتوقع البعض أنه في خلال20 عاما فان دولة مثل فرنسا ستصبح جمهورية اسلامية!).
وبعد أن يقسم الكتاب الجغرافيا العالمية من وجهة النظر الأمريكية إلي مناطق صلبة, أو أخري رخوة ـ يذكر أن المنطقة العربية والاسلامية تشكل فضاء جيو استراتيجيا مهما لأمريكا, ليس فقط لأنها تضم أكثر من مليار مسلم ووريثة لحضارة كان لها بريقها وسيطرتها الطاغية فضلا عن تراثها الثوري الخاص, ولكن لأنها تمتلك نحو75% من الثروات البترولية وتستحوذ علي نسبة عالية من مخزون الغاز علي الكوكب الأرضي.
والأهم من ذلك أن مقومات خروج العالم العربي والاسلامي من( المنطقة الرخوة) لاتزال بعيدة نسبيا بالنظر إلي مشكلاته الموروثة قديما, وأزماته العرقية والسياسية, وتأخره التكنولوجي وعدم قدرته علي الخروج من دائرة الدول النامية فضلا عن الأمية المتفشية بين شعوبه, وانفجاره السكاني المرعب والسبب عملية الأسلمة الراديكالية, والمناوئة للغرب في كل الدول الاسلامية.
وثمة نقطة مهمة هي أن بريطانيا العظمي تعتبر مهمة الامبراطورية الأمريكية فيما يتعلق بعلاقة الأخيرة بالاسلام والمسلمين.. فبريطانيا هي التي ساندت القوي العالمية للاسلام( العثمانيون ضد روسيا, والنمسا, وفرنسا, والاخوان المسلمين منذ تأسيسهم علي أيدي حسن البنا في عام1928 للوقوف في وجه القوميين في حزب الوفد, وكذلك الجامعة الاسلامية والجماعة الاسلامية في الهند لكي تحدث انقساما في المعسكر المناهض للاحتلال وهو ما أدي ـ في النهاية ـ إلي ظهور دولة باكستان الاسلامية).
وكان طبيعيا أن تتبع أمريكا نفس الاستراتيجية البريطانية السابقة سواء في تأسيس دول اسلامية بعينها أو تمويل جماعة الاخوان المسلمين لإحداث خلخلة في استقرار نظام عبدالناصر, ونفس السياسة الخاصة بدعم الاسلاميين اتبعتها أمريكا في السنوات العشر الأخيرة في القرن العشرين سواء في العراق أو في الجزائر أو افغانستان أو باكستان أوالبلقان ثم يجب ألا ننسي أن الدول الاسلامية تشكل بالإجمال سوقا فسيحة أمام المنتجات الأمريكية!
والخطير أن أمريكا تحرص علي أن تحكم هذه المنطقة( التي تضم نظما شمولية وحكومات راديكالية ومليار مسلم).
.. وفي هذا الخصوص ظهرت استراتيجية تعرف باسم استراتيجية الحزام الأخضر في مواجهة العالم العربي ويقصد بها أن تحيط أمريكا خصمها السابق( روسيا) مع دول البلقان بهلال اسلامي يضم تركيا والدول الاسلامية الغربية من توجهات تركيا وايران ومن دول الاتحاد السوفيتي السابق, بالاضافة إلي الدول الاسلامية في البلقان والقوقاز.
هذا الحزام تنطلق محاوره من المنطقة العربية وتركيا العلمانية وأفغانستان وباكستان.
وليس مصادفة أن تتعاون الاستراتيجية الاسلامية ـ الأمريكية في تفويض دعائم الامبراطورية السوفيتية.. وفي هذا الاطار يمكن فهم أن الدولارات والصواريخ الأمريكية كان لها دور مهم في احراز الانتصار علي السوفيت في افغانستان ولا ينبغي أن ننسي أن الجماعة الاسلامية المسلحة في الجزائرG.I.A والجبهة الوطنية للانقاذF.I.S هي من صنع الأمريكان وهكذا يتبين مجددا أن بن لادن كان أداة في يد الأمريكان لاقامة هذا الحزام الأخضر وإحكام قبضة أمريكا علي الخصوم والأعداء علي السواء, ولقد كشفت حروب البلقان( في كوسوفو والشيشان والبوسنة) بالدليل القاطع هذه العلاقة المستترة.
أخيرا, يقرر كتاب حروب ضد أوروبا أن أمريكا نجحت بالفعل عبر استراتيجيتها في التعامل مع الأصولية الاسلامية( دولا وجماعات) في أن تشكل هذا الحزام الأخضر الذي يطلق عليه اسم الخط الأخضر الاسلامي ليكون رأس حربة في تنفيذ مخططاتها في أوروبا والعالم.